عبد الملك الجويني

442

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإن كان الكفار معنا في مهادنة ، [ ولا ] ( 1 ) يستسلمون لأحكامنا ، ولكنهم لا يؤذون من يطرقهم من المسلمين ، وقد لا يمتنعون عن المبايعة والمشاراة ، فإذا كان كذلك ، فالأظهر وجوب كف اليد عن أطعمة المغنم إذا ظهر التمكن من تحصيل الطعام ، وإن لم تكن ديار المعاهَدين المستمسكين بالهدنة مَعْزيّة ( 2 ) إلى ديار الإسلام . وإذا أخرجنا ( 3 ) ديار أهل الذمة ، وديار المعاهدين ، فنعتبر ( 4 ) بفَصْل طروقنا ديار الكفار ، وهم يختلطون بنا في المعاملة ، ولا عهد ولا أمان ، [ فما ذكرناه ] ( 5 ) من تصوير وجود الطعام عسر ، فإن أمكن ولم يكن عهد ، فجوابه ما قدّمناه . 11335 - ومما يتصل بتتمة الفصل أن الغانمين إذا تعلّقوا بديار الإسلام وحرم عليهم ابتداء الأخذ ، فلو كان معهم فضلاتٌ من الطعام التي أخذوها في دار الحرب ، فهل يلزمهم ردّها ؟ فظاهر المذهب أنه يلزمهم الردّ ، وحكى الصيدلاني وغيره قولاً عن سِيَرِ الأوزاعي أنه لا يلزم الرّد ، فإنه بقيّةُ مأخوذٍ على سبيل الإباحة ، فلا يُمنع . فانتظم قولان : أحدهما - وجوب الردّ ، والثاني - أنه لا يجب الردّ . وكان شيخنا يفصّل بين ماله قدرٌ وقيمة ، وبمثله احتفال ، وبين كَسْر الخبز ونَفَض السُّفَر ( 6 ) ، وبقايا الأَتْبان في المخالي ، ويقول : القولان في هذه الأشياء ، فأما ما يُقصد ، وينتحى ، فمردودٌ وفاقاً ، وغيره من الأئمة لم يفصّل هذا التفصيل . وأنا أقول : إن حمل الغازي من الطعام ما يغلب على الظن مع السير الدائم وتواصل التناقل أنه يفضل منه شيء عند الاتصال بدار الإسلام ، فهذا مردود ، وليس له حكم الفضلات .

--> ( 1 ) في الأصل : " فلا " . ( 2 ) معزيّة : من عزا يعزي ؛ فالفعل واوي ويائي . ( 3 ) أخرجنا : أي استثنينا كما هي عبارة الغزالي . ( 4 ) فنعتبر : أي نقيس على ما قلناه في فصل طروقنا ديار الكفار . ( 5 ) في الأصل : " مما ذكرناه " . ( 6 ) الكَسْر بفتح وسكون : النزر اليسير ، والنَّفَض : بفتح النون والفاء : المنفوض بمعنى ما يتساقط من الشيء عند نفضه . ( ر . اللسان . والمعجم ) ويمكن أن يُضبطَ الكِسَر ( بكسر الكاف وفتح السين ) : جمع كِسْرة .